عبد الشافى محمد عبد اللطيف

54

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

لهم على سلامة منهجه ، فجاءهم بالأحاديث الخاصة بغزوة أحد باتباع إفراد كل حديث بسنده فاستكثروا ذلك ، وقالوا : ردّنا إلى الأمر الأول « 1 » . والخلاصة ، أنه مهما كان من أمر اختلاف العلماء حول الواقدي - والناس لا يختلفون عادة إلا على الأشياء الكبيرة - فقد كان واسع العلم بالمغازي والسير ، كما كان عالما بالفقه والحديث والتفسير ، وكان من أكبر المصادر التي عول عليها واعتمدها كبار المؤرخين ، خاصة الطبري . وقد سبق أن ابن النديم عدّ للواقدي ما يقرب من أربعين كتابا في مختلف العلوم الإسلامية ، أشهرها في السير والمغازي ، والفتوح ، كفتوح الشام ، وفتوح العراق . فرحمه اللّه وجزاه عن العلم خير الجزاء . * محمد بن سعد : يعتبر محمد بن سعد آخر الكتاب الكبار في المغازي والسير ، وهو من مواليد البصرة ( سنة 168 ه ) ، وكان من الموالي ؛ فاباؤه كانوا موالي للحسين بن عبد اللّه بن عبيد اللّه بن العباس بن عبد المطلب ، وقد رحل ابن سعد إلى المدينة المنورة ، ثم إلى بغداد ، حيث اتصل بأستاذه محمد بن عمر الواقدي ، وارتبط به ارتباطا وثيقا ، وكان يدوّن له كتبه وأحاديثه « 2 » ، ومن أجل ذلك اشتهر بأنه كاتب الواقدي ، واستفاد ابن سعد من أستاذه فائدة كبرى ، ومعظم كتبه التي ألفها استقاها من علمه - وليس معنى هذا أنه لم يستفد من علم غيره ، فقد استفاد كثيرا من علماء آخرين سبقوا الواقدي كابن إسحاق وأبي معشر السندي ، وموسى بن عقبة ، وغيرهم - وكما استفاد ابن سعد من علم أستاذه ، فقد كان هو نفسه صاحب فضل كبير في ترتيب علم أستاذه ، وكثيرا ما كان يزيد عليه ، فقد كان يكمل ما كان ينقص الواقدي من أخبار الجاهلية . وقد استعان في ذلك بعلم هشام الكلبي ، الذي كان حجة في أخبار الجاهلية وقد خلف لنا ابن سعد واحدا من أهم وأشهر المصادر الإسلامية ، في السير والمغازي ، وأخبار الصحابة والتابعين وطبقاتهم - وهو كتاب الطبقات الكبرى ، والذي وصلنا سالما - لحسن الحظ - وهو في ثمانية أجزاء ، وقد خصص ابن سعد الجزأين الأول والثاني منه لسيرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ومغازيه والأجزاء الستة الباقية خصصها لأخبار الصحابة والصاحبيات والتابعين

--> ( 1 ) انظر تاريخ بغداد ( 3 / 7 ) ، وضحى الإسلام ( 2 / 337 ) . ( 2 ) انظر الفهرست لابن النديم ( ص 145 ) .